نلهث في هذه الحياة خَلف سراب الثبات، ونشيّد أحلامنا على رِمالِ الظروف المتحركة، متوهمين أننا قبضنا على جَمرِ الاستقرار.
نُمسك بأطراف الوظائف كأنها خلود، ونعد الأموال كأنها أمان، ونراهن على القلوب وكأنها لا تتغير ولا تحول.
لكن الحقيقة الشاخصة أمام أبصارنا هي أن لا شيء على الإطلاق مضمون في هذه الدنيا؛ فلا منصب يمنع العزل، ولا مال يدرأ الفقر، ولا صحة تعصم من السقم، ولا محبة تصمد أمام تقلبات الأهواء، إن لم يرعَها لطفُ القدر.
انقلاب المشهد
نمارس لعبة السيطرة بإتقانٍ مدهش، ونرسم خرائط الغد بقلمِ اليقين، غافلين عن أن المنضدة بأكملها، بيدِ من يقول للشيء كن فيكون.
تتغير الموازين في أقل من ثانية، وتنقلب الأحوال بموقفٍ صغير لا يقع في حسابات العقول.
السيطرة على حياتنا ليست سوى وهمٍ متأنق، وغرورٍ جميل نتسلح به ضد الخوف، بينما الحقيقة الناصعة تقول إننا لا نملك أدنى معرفة بما تخبئه لنا الدقيقة القادمة من الزمان.
إنها غشاوة التملك التي تحجب عنا إدراك ضآلتنا أمام جلال التحول الإلهي.
منحة الإدراك ودعاء الاستدامة
حين ينجلي زيف التدبير البشري أمام حكمة التدبير الإلهي، يدرك المرء أن الأمان الحقيقي لا يكمن في امتلاك الأشياء، بل في اليقين بمن يملكها.
يتلاشى الإحساس المزيف بالقدرة، ليحل محله امتنانٌ عميق لكل ثانية تمضي ونحن في عافية وستر.
نخلع عباءة التكبر، ونستقبل الأقدار بقلوب خفيفة، تردد في صمتٍ وتضرعٍ صادق: أدام الله علينا نعمه وحفظها من الزوال.